منذ بداية العام الجاري، يعيش عدد من السوريين المقيمين في مصر حالة من القلق المتزايد على خلفية حملات أمنية مكثفة في عدد من المناطق التي تشهد كثافة سكانية سورية. هذا القلق لم يبق في نطاق التخوف النظري، بل انعكس مباشرة على أنماط حياتهم اليومية، وعلى قدرتهم على العمل والحركة، ما أدى إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية ملموسة داخل هذه الشريحة.
في أحياء بالقاهرة والجيزة ومدينة السادس من أكتوبر، باتت الحركة اليومية محكومة بحسابات دقيقة؛ هل الخروج إلى العمل آمن؟ هل المرور عبر حاجز أمني قد يفضي إلى احتجاز مؤقت؟ وهل الأوراق الثبوتية كافية لتجنب أي إشكال؟ هذه الأسئلة تتكرر يوميا في جلسات السوريين، خصوصا أولئك الذين يعملون في أنشطة تجارية صغيرة أو أعمال حرة تتطلب وجودا ميدانيا مستمرا.
الخوف كعامل اقتصادي ضاغط
يؤكد عدد من السوريين لموقع تلفزيون سوريا أن الأثر الأكبر للحملات الأمنية لم يكن قانونيا فقط بل اقتصاديا. فالكثير منهم يعمل في قطاعات تعتمد على الحضور المباشر مثل المطاعم والورش والتجارة الصغيرة، أو خدمات التوصيل. ومع تصاعد المخاوف من الاحتجاز أو التدقيق المطوّل في الأوراق، فضّل بعضهم تقليص ساعات العمل، فيما امتنع آخرون عن النزول إلى الشارع إلا للضرورة القصوى.
أحمد (اسم مستعار)، عامل في مطعم في منطقة فيصل، يقول: “لم نطالب بشيء رسمي، لكن كثرة الحديث عن توقيفات للتأكد من الإقامة جعلتنا نحسب خطواتنا، هناك أيام كثيرة لا أذهب فيها إلى العمل خوفا من الترحيل، وانا المعيل الوحيد لأسرتي”.
هذا التراجع في النشاط اليومي انعكس مباشرة على الدخل. فالمشروعات الصغيرة، التي تعتمد على دورة مالية يومية، لا تحتمل التوقف المتكرر. ويشير بعض أصحاب الأعمال إلى أن الإيجارات والمصاريف الثابتة لا تتأثر بالخوف، ما يضعهم أمام التزامات مالية يصعب تلبيتها في ظل تراجع الإيرادات.
أحد أكثر الجوانب التي أثارت القلق هو ما تردد عن توقيف بعض حاملي الإقامات السارية للتأكد من الوضع القانوني، وبحسب شهادات متطابقة، فإن بعض هؤلاء تم إخلاء سبيلهم لاحقا بعد التحقق من بياناتهم، إلا أن تجربة الاحتجاز بحد ذاتها تركت أثرا نفسيا واضحا.
سارة (اسم مستعار)، مقيمة في القاهرة منذ سبع سنوات وتحمل إقامة دراسية، تقول لموقع تلفزيون سوريا، “تم توقيف زوجي لساعات رغم أن إقامته سارية. قيل لنا إن الإجراء روتيني. أفرج عنه في اليوم نفسه، لكن التجربة جعلتنا نشعر بعدم الاستقرار، ومنذ ذلك الوقت نقلل خروجنا قدر الإمكان”.
مصدر حقوقي مطلع – فضّل عدم ذكر اسمه – أوضح أن إجراءات التحقق من الإقامة قد تندرج ضمن حملات تنظيمية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن غياب المعلومات الواضحة وانتشار الروايات غير الموثقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي يساهمان في تضخيم المخاوف داخل المجتمع السوري.
فقدان الأوراق الثبوتية معاناة إضافية
من بين القضايا التي تكررت في شهادات عدة، مسألة ضياع أو فقدان أوراق ثبوتية أثناء الاحتجاز، بما في ذلك بطاقات الإقامة أو جوازات السفر أو البطاقات الصفراء ( بطاقة اللجوء). ورغم أن هذه الحالات لا يمكن تعميمها، فإنها تمثل مصدر قلق بالغ لأصحابها، نظرا لصعوبة استخراج بدل فاقد وما يتطلبه ذلك من وقت وتكاليف وإجراءات بيروقراطية طويلة.
محمود (اسم مستعار)، يعمل في مجال المقاولات، أوضح أنه فقد بطاقة إقامته بعد احتجاز دام أسبوع كامل، وأضاف “عندما أفرج عني لم أجد البطاقة بين مقتنياتي. قيل لي إن علي مراجعة الجهات المختصة لاستخراج بدل فاقد. العملية التي قد تطول لأسابيع، وخلالها أخشى من أي تفتيش جديد”.
فقدان الوثائق لا يعني فقط عبئا ماليا إضافيا، بل يضع صاحبه في دائرة قلق دائم، خصوصا في ظل أجواء يسودها الترقب والحذر.
وإلى جانب الخسائر الاقتصادية، يتحدث سوريون عن أثر نفسي متزايد، يتمثل في الشعور بعدم الأمان وتجنب التجمعات العامة. بعض العائلات أوقفت أبناءها عن ممارسة أنشطة خارجية “غير ضرورية”، فيما خفف آخرون من زياراتهم الاجتماعية.
ليلى (اسم مستعار)، أم لثلاثة أطفال، تقول: أطفالي اعتادوا الذهاب إلى النادي بشكل أسبوعي، لكننا أوقفنا ذلك مؤقتا. لا نريد احتكاكا غير ضروري، ربما تكون الأمور عادية، لكن الخوف موجود”.
هذه الحالة من الانكفاء الجزئي تؤثر أيضا على الاندماج المجتمعي الذي تحقق خلال السنوات الماضية، إذ كان السوريون جزءا نشطا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية في عدد من المناطق.
بين القانون والإشاعة
في ظل غياب بيانات رسمية تفصيلية توضح نطاق الحملات وأهدافها بدقة، يبقى المجال مفتوح أمام الشائعات والتفسيرات المتباينة. بعض السوريين يرون أن الإجراءات تستهدف تنظيم أوضاع المخالفين، فيما يخشى آخرون أن تمتد التدقيقات لتشمل الجميع بغض النظر عن وضعهم القانوني.
خبراء في شؤون الهجرة يشيرون إلى أن وضوح المعلومات وتسهيل قنوات التواصل مع الجهات المختصة قد يسهمان في تقليل التوتر، خصوصاً أن شريحة واسعة من السوريين في مصر تحمل إقامات قانونية متنوعة (دراسية، استثمارية، لجوء، أو زواج وغيرها).
معادلة صعبة: حاجة إلى العمل وخوف من المخاطرة
في المحصلة، يجد كثير من السوريين أنفسهم أمام معادلة معقدة؛ الحاجة الملحة إلى العمل لتأمين لقمة العيش، مقابل الخوف من الاحتجاز أو الوقوع في إشكال قانوني ولو كان مؤقتاً. هذا التردد اليومي ينعكس مباشرة على حركة الأسواق الصغيرة التي يديرها سوريون، وعلى دخل آلاف الأسر.
ورغم أن بعض المحتجزين أخلي سبيلهم لاحقا، فإن الأثر التراكمي لحالة القلق يظل قائما. فحتى الإجراءات الروتينية، عندما تتكرر في مناخ غير واضح المعالم، تتحول إلى عنصر ضغط إضافي على فئة تعيش أصلا في وضع اقتصادي هش.
في انتظار مزيد من التوضيح الرسمي وتبديد المخاوف، يستمر السوريون في مصر في إدارة حياتهم بحذر مضاعف، واضعين بين أيديهم أوراقهم الثبوتية، وبين أعينهم حسابات يومية دقيقة بين العمل والأمان.



